التصعيد المتدرج في غزة.. هل يرسّخ واقع حرب الاستنزاف؟

التصعيد المتدرج في غزة.. هل يرسّخ واقع حرب الاستنزاف؟
تقارير وحوارات

 

غزة/دعاء الحطاب:

تشهد الأوضاع الميدانية في قطاع غزة تصعيداً متواصلاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية، في ظل مشهد سياسي وعسكري معقد يعكس حالة من الضبابية بشأن مستقبل الحرب ومسارها، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تهدئة قابلة للانهيار في أي لحظة، أم نحو تكريس واقع قائم على حرب استنزاف طويلة ومفتوحة.

ويرى مختصون في الشأنين السياسي والإسرائيلي أن ما يجري في القطاع لا يمثل مرحلة منفصلة عن الحرب المستمرة منذ بدايتها، بل يأتي في إطار تحول تدريجي في طبيعة المواجهة، انتقلت فيه "إسرائيل" من العمليات العسكرية الواسعة إلى نمط أكثر تعقيداً يعتمد على الضربات المركزة، والاغتيالات، والتوغلات المحدودة، بالتوازي مع استمرار الحصار والضغط الإنساني والمعيشي على سكان القطاع.

وبحسب التقديرات، فإن هذا التحول يعكس توجهاً نحو إدارة طويلة الأمد للصراع، تتبدل خلالها الأدوات والأساليب العسكرية، بينما تبقى الأهداف السياسية والأمنية حاضرة، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية أو إنهاء شامل للحرب.

شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، تمثل في زيادة أعداد الشهداء والمصابين، وتكثيف الغارات الجوية وعمليات القصف التي استهدفت منازل مأهولة ومناطق سكنية في مختلف أنحاء القطاع، إلى جانب تصاعد عمليات الاغتيال والاستهداف المباشر.

كما كثفت قوات الاحتلال من إصدار أوامر الإخلاء القسري للسكان في مناطق متعددة، خاصة في شمال ووسط وجنوب القطاع، ما أدى إلى ارباك حياة المواطنين وفاقم من الأزمة الإنسانية المتفاقمة أصلاً، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وانهيار البنية التحتية الصحية والخدمية.

من التصعيد إلى الاستنزاف

المختص في الشأن الإسرائيلي د. ياسر مناع، يرى أن ما يجري بغزة لا يشير إلى تهدئة حقيقة أو انتقال واضح لمرحلة ما بعد الحرب، بل امتداداً لحرب لم تتوقف فعلياً منذ بدايتها، وإنما تغيّر شكلها وحدّتها فقط. 

يوضح مناع لـ "الاستقلال"، أن "إسرائيل" رغم تخفيفها لوتيرة الحرب الواسعة، أبقت أدواتها الأساسية قائمة على الأرض، من القصف والاغتيالات والتوغلات، واستهداف البنية الأمنية والإدارية، إلى جانب استمرار الضغط على حياة السكان بشكل يومي.

وبحسب مناع، أن هذا النمط يجعل من الصعب اعتبار ما يجري "حدث منفصل" عن مجمل مسار الحرب الذي يهدف لإبقاء غزة تحت السيطرة والإنهاك.

 ويضيف "أن الهدف الإسرائيلي من تكثيف الضربات على غزة يتجاوز البعد العسكري، ليشمل منع فصائل المقاومة من إعادة ترتيب صفوفها وإبقاء حالة الإنهاك داخل المجتمع الفلسطيني، بما يمنع تشكل أي حالة استقرار داخل القطاع".

ويبين أن كل تصعيد يحمل في جوهره رسالة سياسية إلى جانب بعدها العسكري، إذ تسعى "إسرائيل" من خلاله إلى تعزيز موقعها التفاوضي، وفرض شروطها على أي مسار سياسي محتمل، سواء في ملف الحكم، أو المعابر، أو إعادة الإعمار، أو الوجود العسكري.

ويخلص مناع إلى أن ما يجري فعليًا هو انتقال من حرب واسعة ومباشرة إلى نمط من "حرب الاستنزاف الطويلة"، أقل كلفة على "إسرائيل"، وأكثر إنهاكًا لقطاع غزة، ويحول دون أي تعافٍ حقيقي، عبر إبقاء القطاع تحت ضغط مستمر ومفتوح.

إعادة هندسة الواقع الداخلي

وبدوره، يؤكد المحلل والكاتب السياسي سعيد أبو رحمة، أن الأوضاع الأمنية بغزة تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، في ظل انتقال "إسرائيل" من سياسة الضربات الموضعية والاغتيالات الدقيقة إلى عمليات عسكرية أوسع، تترافق مع أوامر إخلاء وتدمير للبنية العمرانية، في مؤشر على تحول بطبيعة إدارة الحرب

يوضح أبو رحمة لـ "الاستقلال"، أن هذا التحول يعكس أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تعد تتعامل غزة باعتبارها ساحة لضبط التهديدات الآنية فقط، بل كساحة لإعادة تشكيل الواقع الميداني والسياسي على المدى البعيد، لذا فإن احتمال تحول التهدئة الهشة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد يبقى قائماً بقوة، خاصة في ظل الفجوة بين الأهداف الإسرائيلية المعلنة والقدرة الفعلية على تحقيقها، وتعثر المسارات السياسية. 

ويضيف: " أن إسرائيل توظف التصعيد في سياق تفاوضي، عبر تقديم عملياتها العسكرية كأداة ضغط على حركة حماس لدفعها نحو تقديم تنازلات تتعلق بالسلاح و الترتيبات الأمنية المستقبلية بالقطاع،  إلا أن هذا المسار -وفق تعبيره - لا يفضي بالضرورة إلى تسوية، بل قد يسهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.

 

وفيما يتعلق بإدارة مرحلة ما بعد الحرب، يشير أبو رحمة إلى وجود مؤشرات على سعي إسرائيلي لإعادة هندسة الواقع الداخلي في غزة، سواء عبر ترتيبات المساعدات أو إعادة تشكيل قنوات توزيعها، بما يسمح بخلق مراكز نفوذ جديدة تتماشى مع الترتيبات السياسية المستقبلية، وتمنح "إسرائيل" قدرة أكبر على التحكم بالموارد والواقع الإداري.

ويتابع أن التسريبات حول ربط المساعدات بأموال المقاصة الفلسطينية تعكس محاولة لتوظيف الملف الإنساني في خدمة أهداف سياسية، تتجاوز البعد الإغاثي إلى إعادة تشكيل الواقع الداخلي وإنتاج مراكز نفوذ جديده تتناسب مع ترتيبات ما بعد الحرب .

وبشأن المرحلة المقبلة، يتوقع أبو رحمة أن يبقى قطاع غزة في دائرة الضغوط المركبة عسكريًا وإنسانيًا وسياسيًا، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مؤقتة أو هدن جزئية.

ويشير إلى أن القضايا الجوهرية المتعلقة بالحكم والأمن وإعادة الإعمار ومستقبل السلاح لا تزال دون حلول واضحة، مما يجعل احتمالات الانفجار قائمة في أي وقت.

ويلفت أبو رحمة إلى أن مستقبل القطاع لن يتحدد فقط بنتائج العمليات العسكرية، بل بشكل أساسي بطريقة إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ومن ستكون له القدرة على ملء الفراغ السياسي والإداري الذي تعمل "إسرائيل" على إعادة تشكيل ملامحه منذ الآن.

وفي المحصلة، تشير القراءات السياسية إلى أن ما يجري في غزة لا يمكن اختزاله في تصعيد عسكري متقطع، بل هو مسار ممتد لإعادة تشكيل الواقع عبر أدوات عسكرية وسياسية وإنسانية متداخلة، ما يجعل المشهد أقرب إلى “حرب استنزاف طويلة” منه إلى مواجهة تقليدية قابلة للحسم السريع.

التعليقات : 0

إضافة تعليق